باختصار: وقّع المغرب أكثر من 65 اتفاقية جبائية ثنائية تهدف إلى تفادي الازدواج الضريبي ومكافحة التهرب الجبائي. تحدد هذه الاتفاقيات الدولة التي لها الحق في فرض الضريبة على المداخيل، وتضبط نسب الاقتطاع من المنبع المطبقة، كما تنص على آليات لتبادل المعلومات بين الإدارات الجبائية.
ما هي الاتفاقية الجبائية؟
الاتفاقية الجبائية (أو اتفاقية تفادي الازدواج الضريبي) هي معاهدة ثنائية تُبرَم بين دولتين ذواتي سيادة. هدفها الرئيسي هو تفادي أن يُفرض على نفس الدخل ضريبتان: مرة أولى في بلد مصدر الدخل، ومرة ثانية في بلد إقامة المستفيد.
تعتمد هذه الاتفاقيات عمومًا على النموذج الذي وضعته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) أو نموذج الأمم المتحدة، وتشمل مجمل الضرائب المباشرة: الضريبة على الشركات، الضريبة على الدخل، وأحيانًا الضريبة على الثروة.
ماذا تتضمن الاتفاقية الجبائية؟
1. توزيع الحق في فرض الضريبة
تحدد الاتفاقية، بالنسبة لكل صنف من أصناف الدخل، الدولة التي لها الحق في فرض الضريبة وبأي نسبة. على سبيل المثال:
- المداخيل العقارية: تُفرض عليها الضريبة عادةً في الدولة التي يقع فيها العقار.
- الأرباح التجارية: لا تُفرض عليها الضريبة إلا في دولة إقامة المنشأة، ما لم تمارس نشاطها عبر منشأة دائمة في الدولة الأخرى.
- أرباح الأسهم والفوائد والإتاوات: تخضع لنسب مخفضة من الاقتطاع من المنبع وفق بنود الاتفاقية.
2. إزالة الازدواج الضريبي
تستخدم الاتفاقيات إحدى الطريقتين التاليتين لإزالة الازدواج الضريبي:
- طريقة الإعفاء: تُعفي دولة الإقامة المداخيل التي سبق فرض الضريبة عليها في الدولة الأخرى. بمعنى آخر، لا تدخل هذه المداخيل في الوعاء الضريبي لدولة الإقامة.
- طريقة الخصم الضريبي (الائتمان الضريبي): تمنح دولة الإقامة ائتمانًا ضريبيًا يعادل الضريبة المؤداة في الدولة الأخرى. وهكذا يدفع المكلف الفرق فقط بين الضريبتين، إن وُجد.
في أغلب الاتفاقيات التي وقّعها المغرب، يُعتمد أسلوب الائتمان الضريبي، مما يسمح بأخذ الضريبة المدفوعة في الخارج بعين الاعتبار.
3. نسب مخفضة للاقتطاع من المنبع
تنص الاتفاقيات غالبًا على نسب اقتطاع من المنبع أقل من النسب المطبقة وفق القانون الداخلي (10% بالمغرب). ويتنوع التخفيض حسب طبيعة الدخل:
- أرباح الأسهم (الأرباح الموزعة): تتراوح النسب التعاقدية عادةً بين 5% و15%، بدلًا من النسبة القانونية الأعلى.
- الفوائد: تتراوح النسب غالبًا بين 10% و15%.
- الإتاوات (الإتاوات المتعلقة بحق المؤلف والملكية الصناعية): تتراوح النسب بين 5% و10%.
يشكّل هذا التخفيض ميزة كبيرة للمستثمرين الأجانب الراغبين في تأسيس شركة في المغرب وللشركات المغربية التي لها أنشطة دولية.
4. مفهوم المنشأة الدائمة
تحدد الاتفاقية المعايير التي تعتبر على أساسها منشأة ما منشأة دائمة. ويُعدّ هذا المفهوم محوريًا لأنه يحدد ما إذا كان بإمكان دولة المصدر فرض الضريبة على أرباح المنشأة الأجنبية.
بشكل عام، تشمل المنشأة الدائمة:
- مقرًا ثابتًا للأعمال (مكتب، فرع، مصنع، ورشة)؛
- موقع بناء أو تركيب يتجاوز مدة معينة (عادةً 6 أو 12 شهرًا)؛
- وكيلًا تابعًا يبرم عقودًا باسم المنشأة بصفة اعتيادية.
5. تبادل المعلومات
تنص الاتفاقيات الجبائية على آليات لتبادل المعلومات بين الإدارات الجبائية للدولتين المتعاقدتين. يهدف هذا التبادل إلى:
- مكافحة التهرب الجبائي والغش الضريبي؛
- التحقق من صحة المعلومات التي يصرّح بها المكلفون؛
- ضمان التطبيق السليم لبنود الاتفاقية.
وقد أصبح هذا التبادل أكثر شمولية بفضل الانضمام إلى المعايير الدولية (كالمعيار المشترك للإبلاغ CRS) والاتفاقية المتعددة الأطراف لتطبيق تدابير مكافحة تآكل القاعدة الضريبية وتحويل الأرباح (BEPS).
6. المسطرة التوافقية (الحل الودي)
عندما يرى المكلف أن إجراءات إحدى الدولتين أو كلتيهما تؤدي إلى فرض ضريبي مخالف لبنود الاتفاقية، يمكنه اللجوء إلى المسطرة التوافقية. تتيح هذه المسطرة:
- تقديم طلب إلى السلطة المختصة في دولة إقامته؛
- تكليف السلطتين المختصتين بالتشاور فيما بينهما لإيجاد حل عادل؛
- تفادي الازدواج الضريبي الناتج عن اختلاف التفسيرات.
أمثلة على اتفاقيات جبائية وقّعها المغرب
يتوفر المغرب على شبكة واسعة من الاتفاقيات الجبائية الثنائية مع شركائه الاقتصاديين الرئيسيين. وفيما يلي أبرز هذه الاتفاقيات:
| الدولة | الاتفاقية | النقاط الرئيسية |
|---|---|---|
| فرنسا | اتفاقية 29 ماي 1970 | أرباح الأسهم: 15%، الفوائد: 10/15%، الإتاوات: 5/10% |
| إسبانيا | اتفاقية 10 يوليوز 1978 | أرباح الأسهم: 10/15%، الفوائد: 10%، الإتاوات: 5/10% |
| هولندا | اتفاقية 12 غشت 1977 | أرباح الأسهم: 10/25%، الفوائد: 10/25%، الإتاوات: 10% |
| كندا | اتفاقية 22 دجنبر 1975 | أرباح الأسهم: 15%، الفوائد: 15%، الإتاوات: 5/10% |
| ألمانيا | اتفاقية 7 يونيو 1972 | أرباح الأسهم: 5/15%، الفوائد: 10%، الإتاوات: 10% |
تُقدَّم النسب أعلاه كنسب قصوى للاقتطاع من المنبع. وقد تختلف النسبة الفعلية حسب طبيعة المستفيد (شخص طبيعي أو معنوي) ونسبة المساهمة في رأس المال.
كيف تستفيد من اتفاقية جبائية؟
للاستفادة من المزايا التي توفرها اتفاقية جبائية، يتعين على المكلف اتباع الخطوات التالية:
1. إثبات الإقامة الجبائية
يجب الحصول على شهادة الإقامة الجبائية من الإدارة الضريبية في بلد الإقامة. هذه الشهادة ضرورية لإثبات الحق في الاستفادة من بنود الاتفاقية.
2. التحقق من أن الدخل يدخل في نطاق الاتفاقية
ليست كل المداخيل مشمولة بالاتفاقيات الجبائية. يجب التأكد من أن طبيعة الدخل (أرباح أسهم، فوائد، إتاوات، مداخيل مهنية…) تدخل ضمن الأصناف المنظمة بالاتفاقية.
3. احترام الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب
يشترط القانون المغربي استيفاء إجراءات شكلية محددة للاستفادة من النسب التعاقدية المخفضة، ومنها:
- تقديم طلب رسمي للإدارة الجبائية؛
- إرفاق الطلب بشهادة الإقامة الجبائية؛
- احترام الآجال القانونية للتصريح.
تنبيه: الاتفاقية لا تعني إعفاءً تلقائيًا
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن مجرد وجود اتفاقية جبائية يعني الإعفاء الكامل من الضريبة. في الحقيقة:
- الاتفاقية تخفّض النسب ولا تُلغيها بالضرورة؛
- يجب الامتثال للإجراءات الشكلية للاستفادة من المزايا التعاقدية؛
- قد تحتفظ دولة المصدر بحق فرض الضريبة وفق النسب المحددة في الاتفاقية؛
- في حال عدم الامتثال للشروط، تُطبَّق نسب القانون الداخلي (وهي عادةً أعلى).
لذلك، يُنصح بشدة بالاستعانة بخبير جبائي لتحديد البنود المطبقة وضمان الاستفادة الفعلية من مزايا الاتفاقية.
خلاصة
تُشكّل الاتفاقيات الجبائية الثنائية أداة أساسية للشركات والأفراد الذين يمارسون أنشطة عابرة للحدود. فهي تضمن توزيعًا عادلًا للحق الضريبي بين الدول، وتمنع تحمّل عبء ضريبي مزدوج على نفس الدخل.
يوفر فريق Upsilon Consulting خبرة متعمقة في مجال الجبايات الدولية والاتفاقيات الضريبية الثنائية. نساعدكم على تحديد الاتفاقية المطبقة، وحساب النسب التعاقدية، والامتثال للإجراءات الشكلية اللازمة.